ابن الجوزي
58
كشف المشكل من حديث الصحيحين
وهذا كثير في أشعارهم . وعلى هذا يلزم الميت العقوبة ، لأنه أوصى بذلك وأمر به . والوجه الثالث : أن « الباء » في قوله : ببكاء أهله بمعنى « عند » ، كقوله تعالى : * ( والمستغفرين بالأسحار ) * [ آل عمران : 17 ] والمعنى أنه يعذب عند وقت النياحة ، وغالب النياحة يقع عند قرب العهد ، ومعظم عذاب المعذب في القبر يكون عند نزول اللحد ، ثم يدوم منه ما يدوم ، فيكون العذاب واقعا حال النوح لا بسبب النوح . حكاه أبو سليمان الخطابي عن بعض أهل العلم ( 1 ) . والوجه الرابع : أن النوح يتضمن الثناء على الميت بفضائله ، وكان الغالب على فضائل الجاهلية أنهم يستحقون التعذيب بها ، فإنه قل أن يرؤس منهم إلا متجبر ، وكانوا يغير بعضهم على بعض ، فيصير لهم الأموال من ذلك . فإذا قالت النائحة : يا رئيساه ، ويا جبلاه ، عذب لكونه رأس بغير حق ، وعلا على وجه التجبر ، فيعذب بما يمدح به ، ويضاف العذاب إلى النوح لأنه السبب في ظهور العذاب . ونحو هذا قوله : * ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) * [ الدخان : 49 ] فهذا مما يوبخ به أبو جهل في النار ، لأنه عز بغير حق . وربما وقع تعذيب المسلم بقوله النائحة : واعضداه ، من جهة أنه كان يظن أنه عضد لأهله في باب الرزق ، وأنه ركنهم في النصر ، كما قال بعضهم عند الموت لأهله : إلى من ترجعون إذا حثوتم * بأيديكم علي من التراب ويؤيد هذا ما أخبرنا به هبة الله بن محمد قال : أخبرنا الحسن بن
--> ( 1 ) « المعالم » ( 1 / 303 ) .